
ما طرحه الشيخ سامي الجميل، وهو ابن شقيق شهيد هو الرئيس الشيخ بشير الجميل، وشقيق شهيد آخر هو الوزير الشيخ بيار الجميل وابن خال شهيد ثالث هو أمين أسود، وشهيدة رابعة هي ابنة عمّه مايا بشير الجميل، وهم جميعًا من عائلة واحدة أعطت الوطن الكثير من التضحيات والشهادة، لم يكن مجرد طرح عادي. وقد يكون ما طرحه في هذا الظرف الدقيق الذي يمرّ به لبنان بالنسبة إلى البعض كمن يسير عكس التيار وعكس المزاج الشعبي، أقّله في الشارع المسيحي. لكن ما لم يتفاجأ به اللبنانيون ما لاقاه هذا الكلام المسؤول الصادر عن رئيس حزب عقائدي اتُهم في بداية الحرب بـ “الانعزالي”، وصدرت دعوات لعزله عن الحياة السياسية، فأثبتت التجارب أنه كان أقوى من هذه المحاولات، خصوصًا أن كثيرين ممن طالبوا بعزله في بداية الحرب عادوا واكتشفوا بأنه لا يمكن عزل أحد في لبنان، وبأن ما كان حزب “الكتائب” مؤمنًا به وناضل من أجله وقدّم آلاف الشهداء كان في قسم كبير منه على صواب وحق.
وما نادى به النائب الشاب، الذي انطلق في بداية حياته السياسية والوطنية خارج الخط الكتائبي التقليدي هو نتيجة اختبار عميق لتاريخ عريق لحزب ترأسه بعد تجارب كثيرة مرّ بها هذا الحزب التاريخي، وبعد اضطهادات ونضالات حزبية، بعد غياب الرئيس المؤسس الشيخ بيار الجميل، وما ما كان لتأثير المتغيّرات المتسارعة على الساحة المسيحية وما شهدته من انتفاضات واقصاءات.
وهذا الاختبار الشخصي استلزم من الشيخ سامي وفريق عمله ومكتبه السياسي الكثير من التفكير العميق في صيرورة الكيان اللبناني، وخلص إلى نتيجة واحدة، وهي التي اختصرت مسيرة الرئيس المؤسس حتى الرمق الأخير، الذي آمن بالصيغة اللبنانية الفذّة، ولم يحد يومًا عن قناعته حتى في عزّ الحرب وتساقط القذائف على رؤوس أهل “المنطقة الشرقية”، بما كانت ترمز إليه، وعلى رغم سقوط هذا العدد الكبير من الشهداء في الصفوف الكتائبية وفي غيرها من الأحزاب الصديقة، التي كانت تؤمن بنهائية كينونة لبنان. فواجه بصدره كل السهام، وتصدّى لكل محاولات التقسيم أو مشروع “الوطن المسيحي”، وذلك اقتناعًا منه بأن قدر اللبنانيين أن يتعايشوا مع بعضهم البعض أيًا تكن الضغوطات الكثيرة التي كانت تمارس عليهم من الخارج، وعلى رغم الاغراءات الكثيرة. وهذا ما حصل بالفعل بعد غيابه عندما التقى اللبنانيون بعد معاناة طويلة، وبعد الكثير من الألم والدموع والويلات والمصائب، في مدينة الطائف بمبادرة من المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية الشقيقة، وخرجوا باتفاق سُمي بالمدينة التي فتحت لهم ذراعيها وقلبها، وهو لا يزال حتى هذه الساعة الاطار الوحيد لوحدة اللبنانيين، الذين عليهم أن يتصارحوا قبل أن يتصالحوا مصالحة حقيقية لا غش فيها ولا محاباة للوجوه، وهو الخارج من فكرة راودته عندما أُقفلت في وجه اللبنانيين كل أبواب الحلول الممكنة، لكنه رفض خوض غمارها بعدما اكتشف حقيقة ما أعلنه بالأمس، وهي حقيقة ايمانية بوحدوية اللبنانيين، شرط أن يكونوا متساوين في الحقوق والواجبات، وأن يكون هدفهم الأول والأخير لبنان الـ “عشرة آلاف كيلومتر مربع غير ناقصة شبر واحد.
وبهذا يكون سامي الجميل أول من يضع حجر الأساس لبناء لبنان الجديد على أسس وطنية سليمة وواضحة بعيدًا عن استقواء أي مكّون من المكونات اللبنانية بالخارج، أيًّا يكن هذا الخارج، ضد الداخل، أيًّا يكن هذا الداخل.